اقلام حرة

واقع الشباب المغربي في السياسة استغلال أم مشاركة حرة؟

واقع الشباب المغربي في السياسة استغلال أم مشاركة حرة؟

أنفاس بريس 24: بقلم جمال لعفو

          نرى  في كل حملة إنتخابية ببلادنا  تعمد الأحزاب المشارِكة تشغيل شباب في حملاتها بشتى الطرق ولأغراض مختلفة. وهو استغلال يوهم بأن قاعدة هذه الأحزاب عريضة وشابة، لكنه في العمق “تشغيل” مقابل مبلغ مادي بخس، ولا تكون لهؤلاء الشباب أية علاقة لا بالحزب ولا بسياسته، بل ليست لهم أية دراية حتى بهذه السياسة. يضطرون لكسب البعض من المال موسميا، دون وعي تام لا بما يقومون به ولا بنتائج نشاطهم هذا. لا نعني هنا الشباب المتحزب، وليس في تحزبهم هذا أي حرج، إذا أقدموا على ذلك بترو وعن اقتناع. ما يهمنا هنا هي الغالبية العظمى من الشابات والشباب، الذين يلاحظ المرء عند الحديث معهم، بأنهم لا يحملون أي هم سياسي وليست لهم أية خلفيات ولا توجهات سياسية، بل “يساعدون” من أجل حفنة من الدراهم ليس إلا. وبقدر ما لا نعيب هذا الأمر عليهم، بقدر ما ننبه إلى الخطورة العظمى لمثل هذا “التوظيف”، لأنه في العمق استغلال واضح المعالم لوضعية اقتصادية هشة لجحافل من الشباب. بل أكثر من هذا هناك من الأحزاب ممن تستغل البعض منهم في حملات شبه “إرهابية” ضد “الخصوم”، وتحرضهم على العنف النفسي والفيزيقي، وبهذا تقحمهم في مخالفة القانون، بل وصل الأمر في بعض المناطق إلى استغلال بعض الشباب لضرب وجرح المنتمين إلى أحزاب أخرى، بما في ذلك زعماء هذه الأحزاب، ونستغني هنا على ذكر أسماء بعينها. 

يتعلق الأمر إذن بظاهرة موسمية، المسؤول الرئيسي عنها هي الأحزاب أولا وأخيرا، لأنها تتعمد استغلال هؤلاء الشباب، دون أي معيار لا أخلاقي ولا سياسي. والأغلبية الساحقة لهؤلاء الشباب “ينقادون” “لمساعدة” هذا الحزب أو ذاك إما لظروف مادية صرفة أو لقتل الوقت، لأن الحملات الإنتخابية تُنتج مناخا خاصا بها، يختلط فيه “التقشاب” ـ كما يقول بعض الشباب المشاركين ـ وعيش الشعور بالإنتماء الجماعي لجموعة ما. أضف إلى ذلك أن معظم الشباب الذين “ينزلقون” في مثل هذه الدروب، ينتمون إلى الطبقات الإجتماعية المسحوقة، معظمهم عاطلون عن العمل ولا يملكون إلا مستوى تعليمي محدود. نحن إذن أمام أسلوب من أساليب خلق والتشجيع على خلق “بلطجيات” وتطرف بين الشباب، تكون نتائجه بعيدة المدى ولا تتوقف بتوقف الحملات الإنتخابية، بل تُعوض في ميادين اجتماعية أخرى في الشارع العمومي أو في مباريات كرة القدم وأبواب المدارس إلخ.

تقودنا هذه الظاهرة إلى التفكير في نوعية وطبيعة التربية السياسية التي نحن في حاجة إليها، لتجنب المخاطر المحذقة بشبابنا. ما يميز مجتمعنا هو هذا الحس السياسي العميق، الذي يكون مختبئا في الغالب في اللامبالاة ظاهريا. الكل يهتم بالسياسة، لكن الغالبية العظمى لا تريد الإقتراب منها مباشرة نظرا للظروف النفسية التي يحيط بها صاحب القرار السياج السياسي. عادة ما يحصل الإهتمام السياسي عند الشاب المغربي في وقت جد مبكر. وما الإضرابات في الإعداديات والثانويات إلا شاهد إثبات على ذلك. إلا أن هذا الإهتمام السياسي إبان المراهقة وقبيلها لا يعتبر نضجا سياسيا. وهذا يقود بطبيعة الحال الإنسان العادي، إنسان الحياة اليومية الشعبية، إلى نوعين من السلوك السياسي الذي يبقى يلاحقه منذ مراهقته: فإما أنه ينهي اهتمامه السياسي، نظرا للإحباطات التي تلقاها والضربات التي تنهال عليه. والطريق الذي يقود إليه هذا النوع من الإحباط تكون واضحة، تفصح عن نفسها في سلوك اللامبالاة، والإنكماش على النفس. وإما أن الفرد، وأمام تشابك خيوط النسيج السياسي الذي يحيط به، يختار التطرف الأقصى، انتقاما من ذاته وممن علق الأمل عليهم لتحسين ظروفه وظروف هذا الوطن.

إذا كان المغرب يريد بناء مواطن يعي ما له وما عليه، في إطار بناء دولة حديثة وقوية، فعليه الإنتباه العاجل إلى تقديم تربية سياسية في إطار مقرراته المدرسية لأبنائه. من الضروري أن تتأسس هذه التربية على شرح وتلقين مبادئ الدولة الحديثة والتربية على المواطنة والديمقراطية واحترام الرأي المعارض، بل التعامل معه بمرونة وترو، وليس بالعمل على إقصائه بكل الوسائل. فإذا لم يع المراهق كيف تسير حكومة ديمقراطية نفسها وكيف تبني مؤسساتها وما هي الإمكانيات المتاحة له من أجل المشاركة المباشرة أو غير المباشرة في تسيير الشؤون العامة، وما هي أهمية العمل التطوعي كمسؤولية على عاتق المواطن، لا تقل أهمية عن عمل الأحزاب السياسية وممثلي الشعب وكل القوى الحية الأخرى في المجتمع، فإن الشعور بالإنتماء إلى الوطن يفتر، بل يعم نوع من النفور من هذا الشعور وينسلخ المراهق عن هويته الوطنية ويعيث فسادا بحقه كمواطن. فالمواطنة تبنى ولا تباع في شعارات تحميسية وجدانية مناسباتية. وهي عكس التطرف الشعوبي، لأنها تفتح عيون الشباب على حب الوطن دون السقوط في نرجسية إثنية أو عقائدية. فالشعب القوي ليس هو ذاك الذي يملك آبار البيترول وملايير الدولارات، بل ذاك الذي يستثمر في تربية أبنائه وفتح كل الآفاق أمامهم وأخذ كرامتهم الذاتية محل الجد، وعدم اعتبارهم بيادق في لعبة شطرنج ما.

إذا استمرت الأحزاب السياسية المغربية في ممارساتها الحالية وفهمها الضيق لدورها في المجتمع، فإن سيرورة “بلقنة” الحقل السياسي الحزبي ستتطور وتقود إلى نتائج لا تحمد عقباها. تسلك الكثير من أحزابنا وكأنها قبائل ما قبل التاريخ السياسي، ما يهمها إلى حد الآن هو تقوية سواعدها للوصول إلى السلطة، بكل الوسائل الأخلاقية وغير الأخلاقية، مساهمة بذلك في نفور المواطن من الساسة ووضعهم كلهم في نفس سلة المهملات. والواقع أن الأحزاب مطالبة بتحديث سياساتها لتتماشى والتطور العام للإنسان المغربي، الذي قطع أشواطا كبيرة في تطوره المعرفي العام وانفتح على العالم برمته ويعي حق الوعي بأنه يغني في واد وأحزابه تغني في واد أخرى. هناك هوة لا يستهان بها في تمثل الأحزاب للمواطن وتمثل هذا الأخير للأحزاب، وهي هوة خطيرة على سيرورة التطور الديمقراطي للبلد، لأنها تسبب في نوع من الإستيلاب/التغريب بين المواطن والقوى السياسية في البلد، بكل النتائج السلبية المعروفة حاليا، وعلى رأسها فقدان الثقة الكاملة في الأحزاب من طرف الغالبية الساحقة من الشعب. ولعل المناخ العام للحملة الإنتخابية الحالية دليلا إضافيا على هذا الأمر: يتضح بأن القاعدة الشعبية للأحزاب قد تقلصت إلى مستوى رهيب، وليس هناك أي حزب على ما نعلم يمكنه أن يدعي بأنه يملك لائحة من المنخرطين كافية لتغنيه عن ممارسة “الديماغوجية” ودخول الحملة الإنتخابية بثقة كاملة في مؤهلاته الداخلية، وإلا ما عمدت بعض الأحزاب “العتيدة” إلى لغة غليظة وبخيسة ومنحطة، بل إلى استعمال العنف ضد الآخرين، رجاء في استقطاب الناخب. ونعتقد بأن أول ميثاق أخلاقي يجب على الأحزاب التوقيع عليه فيما بينها هو الكف على استعمال مثل هذه اللغة والإستغناء الواعي والمسؤول عن اعتبار الأحزاب الأخرى “خصمة” والمرور إلى اعتبارها “منافسة”. فالعمل السياسي الجاد يكون بعد الإنتخابات وليس أثناء الحملات الإنتخابية، سواء أنجح الحزب في إقناع العدد المطلوب من الناخبين ليسير جماعة أو جهة ما، أو أنيطت له مسؤولية المعارضة. ذلك أن الممارسة الديمقراطية تتطلب مما تتطلبه معارضة قوية، تكون بمثابة قوة مصححة، تسهر على التزام الأحزاب المسيرة بالمرور في ممارستها للسلطة من التدبير إلى الخلق. فالمغرب الحالي محتاج لساسة خلاقين وليس لساسة يديرون الأمور فحسب.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى